16‏/01‏/2011

قالب الطوب



كان أحد الخدام فى طريقه ليلقى عظه , فرأى رجلاً يجلس على الكرسى المقابل له فى القطار ، وكان الرجل تظهر عليه علامات الأسى والحزن فسأله الخادم ( هل يمكننى أن أقدم لك خدمة يا صديقى ؟ ) .
فرد الرجل بخشونة (لا ، لا ) فعرض عليه المعونة مرات فرفض قائلاً ( لا يوجد من يهتم بى ).
وأفترقا . وبعد أن أنجز الخادم مهمته رأى نفس هذا الرجل يركب القطار معه من محطة صغيرة فى الطريق ، ولكن القلق كان مستحوذاً عليه أكثر من ذى قبل ، فبدأ الخادم يحادثه ويلاطفه فأنفرجت أسارير وجه الرجل وتعزى لأن انساناً يريد أن يفتح الحديث معه فأبتدأ يقص للخادم قصته فقال ( أنى محطم ، آه أنى تهدمت ! وأنت ترى أنى شيخ تخطيت السبعين , وعندما كنت صبياً هربت من بيت أبى ، بينما كانت لى أم صالحة , حقاً شعرت بالوحشة فى البداية وكنت أتذكرها دائماً ولكن بمرور الوقت صرت لا أذكرها .
لم أكتب لها خطاباً قط ولم تعرف مكان وجودى ، ومنذ وقت ابتدأت أفتكرها وحن قلبى إليها ، نعم لم أكن أتوقع أن تكون باقية على قيد الحياة ولكن ذكراها ظلت تقضى على مضجعى فصممت على أن أسافر من بلدى لأبحث عسى يمكننى أن أهتدى إليها .
ذهبت إلى كل الأماكن المجاورة وسألت عنها ولكن أحداً من جيرانها لم يعرفها ، أخيراً وجدت رجلاً عجوزاً تذكرها ولكنه لم يعرف أين دفنت , ثم خطر ببالى الكنيسة القديمة التى كانت مواظبة عليها وكنت أرافقها إليها فى أيام طفولتى .
ذهبت إلى الكنيسة ولكن عوامل البلى كانت ظاهرة عليها ، دخلت ، وكانت أرضها مبلطة بقوالب من الطوب الأحمر ، فأمكننى أن أهتدى إلى المكان الذى إعتادت أن تجلس فيه ، هناك البقعة التى كانت تضع قدميها عليها ، فركعت فى ذات المكان ، ولا أخفى عليك كم بكيت كالأطفال ، آه لو كان فى قدرة البكاء أن يعيدها ثانية إلى الحياة .
والآن يا صديقى أنت ترى هذه الأشياء فى يدى وسأحتفظ بها فى بيتى ، وما هى إلا القالب الذى كانت أمى تضع قدميها عليه وهو كل ما أمكننى أن أحفظه من ذكرياتها وها أنا آخذه معى ليكون وسادة تستريح عليها رأسى عندما أدفن فى قبرى )
هذه مأسة تجعل القلب ينزف دماً . فيا أيها الشباب لا تهملوا أباءكم الطاعنين فى السن ، بل اخدموهم كلما مرت السنون ...ما أجمل ذكريات الأم التى طواها الموت .
 (من كتاب الأم نبع الحب والحنان لأبونا مرقس عزيز خليل )

ليست هناك تعليقات:

للأمانة

للأمانة فى حالة نقل أى معلومات من المدونة يرجى ذكر اسم المدونة وعنوانها :

ادخل ايميلك ليصلك كل جديد

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner