02‏/09‏/2013

مصابيح موقدة فى غابات روسيا ج14




روعة وجمال القوقاز

كانت القوقاز تمتاز بموقعها الجميل فهى تقع فوق جبل عالٍ فى وسط بحر من البساط الأخضر وعندما كانت ماريا  تنظر إلى جمال الطبيعة المبهر المحيط بستافروبول من كل جانب ، كان ذلك يشغلها بالتفكير أكثر فى جمال السماء والفردوس وتستهين بما تُعانيه من إرهاق جسدى فى جهادها وحياتها النسكية ..

أما رفيقتها الصغيرة مطرونة ، فقد استنفذت طاقتها وفقدت إتزان رأسها ولم تقوَ على رؤية شئ أمامها بسبب ضعف بنيتها وصغر سنها إذ لم تتجاوز بعد سن الثامنة عشر .. ولكن إلهنا الحنون دبر لهما عند مدخل المدينة ، أن يُقابلا رجلاً تقياً من أعيان ستافروبول والذى كان يعرف الأب ثيوفان تمام المعرفة وعلى صلة وثيقة بالأب الأسقف أغناطيوس .. فعندما رأى عابدتى الرب والارهاق وإعياء الطريق يبدو عليهما ، استوقفهما وبعدما أخبراه بأمرهما ، قادهما إلى منزل صغير بالقرب من مقر الأسقفية ليستريحا ثم أخذهما فى اليوم التالى إلى الأسقفية حيث تقابلتا مع الأب ثيوفان .. ونظراً لوجود الأب الأسقف أغناطيوس فى ذلك الوقت فى "بياتوجورسك" ، اهتم الأب ثيوفان بنفسه بأمر ماريا ورفيقتها وقام بتوصيلهما إلى دير القديس يوحنا السابق الصابغ حيث تقابل مع الأم سيرافيما رئيسة الدير وسرد لها تفاصيل الحياة النسكية التى عاشتها ماريا فى غابات أولونتز تحت إرشاد الأب الشيخ أشعياء كما أعلمها بما لاقته من اضطهادات ومتاعب من عدو الخير .

استقبلت الأم سيرافيما عابدتى الرب بكل ترحاب وسمحت لهما بالإقامة فى الدير معها .. ولكن ماريا لم تعتاد على حياة الشركة ، لذا تركت مطرونة لتحيا فى الدير أما هى فقد استأذنت الأب ثيوفان والأم سيرافيما بالسماح لها بالبحث عن مكان يصلح لإقامتها فى وحدة فى الأماكن المجاورة فى الغابات لأنها ألفت هذا النوع من الحياة ومن الصعب عليها أن تحيا حياة الشركة ...فعرضت عليها الأم سيرافيما أن تحيا فى وحدة فى كوخ مستقل فى حديقة الدير ولكنها رفضت خشية من تردد الأخوات لزيارتها فيشتت هدؤها وفكرها وسط حياة المجمع ...

*يتبع ***يتبع *** يتبع ***يتبع *** يتبع *** يتبع*
( عن سلسلة أنا هو لا تخافوا (8) ترجمة دير الشهيد العظيم أبى سيفين للراهبات لسنة 1999 )

مصابيح موقدة فى غابات روسيا ج13




الرحلة إلى الجنوب

غادرت ماريا ومطرونة "سترايا روس" فى شهر مايو ووصلتا عن طريق كييف إلى الجبل المقدس "سفياتوجورسك" أثناء فترة صوم الرسل ..فحضرتا القداس الإلهى بالدير وتناولتا من الأسرار المقدسة ولكنهما لم يمكثا هناك إذ لم يتمكن رئيس الدير من توفير مأوى لهما فى الغابات التابعة للدير والتى يُقيم بها العديد من الآباء الشيوخ النساك من دير سفياتوجورسك وأثناء تواجد ماريا هناك تسلمت خطاباً من الأب ثيوفان يدعوها للذهاب إلى "ستافروبول" آملاً أن يجد لها مأوى مناسباً بالقرب من دير للبنات يُعتبر هو الأب الروحى المسئول عن رعايته ..
غادرت ماريا ومطرونة الجبل المقدس فى عيد الشهيدين بطرس وبولس الرسولين وقطعتا طريق الرحلة الشاق وكان يغمرهما فرح وسلام عجيبان وإيمان تام بعناية الله بهما ...

فعبرتا طرقاً ومدناً كثيرة وهما يسيران من محطة إلى أخرى .. فكانتا تقطعان أحياناً أكثر من ثلاثين ميلاً فى اليوم وكانتا تسترشدان ببعض الرجال الأتقياء فى الطريق وكانت مطرونة فى حالة شديدة من الإجهاد والإعياء إذ لم تعتد على السير لمسافات طويلة فكانت تتوقف عن السير خاصة عندما تشتد الحرارة .. وكانت ترتمى على الأرض تحت ظل الأشجار الكثيفة الموجودة بالقرب من الطريق وتروى ظمأها الشديد الغير المحتمل بمضغ بعض أوراق الشجر التى ترطب لسانها .. وبعد أن تستريح قليلاً كانت تنهض مسرعة تجرى خلف خالتها ماريا ..

وعند عبور الأنهار بالمعديات لم يطلب منهما أحد مالاً من أجل اسم المسيح وفى الليالى ذات الظلام الدامس ، كانتا تسيران على ضوء النجوم اللامعة دون أن تهابا أى أذى من الحيوانات المتوحشة .. وقد حفظهما الله بعنايته ومراحمه بصلوات الآباء القديسين .. وأخيراً وصلتا فى مساء يوم 29 أغسطس فى تذكار استشهاد القديس يوحنا المعمدان إلى "ستافروبول" فى القوقاز .

*يتبع ***يتبع *** يتبع ***يتبع *** يتبع *** يتبع*
( عن سلسلة أنا هو لا تخافوا (8) ترجمة دير الشهيد العظيم أبى سيفين للراهبات لسنة 1999 )

مصابيح موقدة فى غابات روسيا ج12





توجهت ماريا للجهات المختصة وقدمت لهم الوثيقة المطلوبة ثم توجهت إلى أندرو وترجته بدموع بأن يبنى لها كوخاً صغيراً وأعطت له روبلين ليستأجر عامل ليقوم بعمل كوخ خشبى يُشبه المظلة ، به موقد حجرى ، فى مكان آخر فى الغابة خلف ممر ضيق بين حبلين ..
وأمام إلحاحها ، نفذ لها أندرو ما طلبته ، وأقامت ماريا  فى هذا المكان الجديد طوال فترة الشتاء ..

وفى بداية فصل الربيع فى العام التالى ، تغيرت إدارة الدير ، فقد أُستدعى الأب دانيال إلى أولونتز حيث رُسم رئيساً لدير "بوليوستروف" ، كما فضل الأب متروفان أن يقضى بقية حياته فى حياة توحد وخلوة تامة ... فعُين مكانه الأب سيلفيستر رئيساً للدير ...

أما ماريا ، فقد ظلت فى كوخها الجديد الذى لم يكن أحد يعرف مكانه فى بداية الأمر سوى الأب جيراسيموس والأب تريفون وأندرو ، وكان الأب جيراسيموس يزورها من حين إلى آخر ، وكان يجد عزاء ً كبيراً لما لها من نفس التفكير والمنهج الروحى الذى اعتاد عليه .. فكانت نفسه تتعزى جداً عند رؤيته لماريا وهى تُمارس الصلاة الدائمة وكان يشكر الله باستمرار لعدم انقطاع هذه الصلاة والجهاد الروحى فى غابات الدير ... إلا أن عدو الخير لم يهدأ له بال ، فقد ثار مرة ثانية وهيج المسئولين فقاموا بالبحث عن عابدات الرب الساكنات فى الغابات التابعة لدير القديس نيسيفوروس ، فلم يتمكنوا من الوصول إلى مكان حنّة لإختفائها فى أعماق الغابة ،أما ماريا فقد تتبعوا أثار الأقدام الموجودة على الطريق حتى استطاعوا الوصول إليها ..

وبتهديدات رهيبة وقسوة شديدة خرجت ماريا من كوخها وهى تذرف دموعاً ساخنة ، ولكنها لم تفتح فاها بكلمة واحدة ..بل فى صمت أخذت أيقونتها وكتبها وانصرفت خارجة أمام أعين مُضطهديها وانطلقت فى الطريق المؤدى إلى القرية ولكنها لم تُغادر الغابة تماماً بل ظلت مختفية بين الأشجار الكثيفة على أمل العودة مرة ثانية إلى مكانها بعد هدوء الأحوال ... أو على الأقل محاولة نقل أخشاب الكوخ إلى مكان آخر ، ولكنها لم تعِش فى هذا الأمل إلا بضعة دقائق إذ سرعان ما أُصيبت بإحباط شديد عندما رأت تصاعد دخان كثيف وسمعت صوت فرقعة لهيب حريق الأخشاب وعندما اتجهت ببصرها نحو الصوت ، رأت عن بُعد أن مصدر الحريق هو مكان كوخها الذى طُردت منه ..

دوى فى الغابة صدى صوت ماريا التى رفعت ذراعيها نحو السماء وهى تصيح من أعماق قلبها قائلة :
" إلهى أنت حياتى ، أنت نورى ، أنت مرشدى ، أنت حصنى ووجودى .. أنت نسمة حياتى يا سيدى وإلهى ، يا من خلقتنى إرحمنى " .

ثم انطرحت على الأرض وهى تُدرك تماماً أن الله لا يُريدها أن تبقى فى هذا المكان أكثر من ذلك ..
لم يكتفِ عدو الخير بذلك بل أوعز للمسئولين بضرورة طرد عابدة الرب من المنطقة كلها ، فجاءها بلاغ بضرورة عودتها إلى بلدتها وإلا سيتم ترحيلها عن طريق البوليس .
أخبر أحد الرهبان الأب جيراسيموس بالبلاغ الصادر ضد ماريا وبالظروف التى حلت بها ، فتأثر الشيخ جداً وذرف دموعاً فى صمت ثم استدعى إليه الأب تريفون وقال له :
" إن ما حدث هو حرب من حروب عدو الخير سمح بها الله من أجل اتضاع ماريا .. فاذهب إليها واعلمها بأنه يجب ألا تُسلم نفسها للحزن بل يجب أن تخضع لإرادة ومشيئة الله وعنايته وتدبيره ...

فقد سمح الله لها أن تمر بهذه التجربة كما يختبر الله دائماً كل القديسين بالتجارب .. فأوصيها بألا تتضايق أو تتذمر من أولئك الذين طردوها بل يجب أن تحتمل فى صمت وانصحها بأن تُبارك مُضطهديها وأن تُصلى من أجلهم وتغفر لهم كما أوصانا الكتاب وحينئذ سيغدق الله عليها مراحمه .. كما طلب منها الذهاب إلى أرضها بالقرب من "سترايا روس" والانتظار هناك حتى يُراسل بعض محبى الله فى بطرسبرج الذين كانوا يعرفون الشيخ الأب أشعياء أغناطيوس ويكرمون ذكراه .. ويطلب منهم أن يصنعوا رحمة مع ابنته بأن يجدوا لها مأوى فى مكان آخر ... كما سيكتب أيضاً إلى الأب ثيوفان فى القوقاز ليقدم طلباً إلى الأب الأسقف أغناطيوس بريانتشانينوف ، وسوف يجد فى إبروشيته مكاناً مناسباً لها .. كما سيكتب للأرشيمندريت أغناطيوس رئيس دير القديس سرجيوس .

كتب الشيخ هذه الخطابات وسلمها لأندرو ليرسلها بالبريد كما أعلم ماريا بما كتبه بشأنها ... فعادت ماريا إلى بلدتها تبعاً لنصيحة أبيها الروحى إلى أن يُدبر لها الرب مكاناً مناسباً ...
قُبل إلتماس الشيخ جيراسيموس من جميع مسئولى الجهات المُرسل إليهم بفرح وسرور .. وقد أظهر الأب الأرشيمندريت أغناطيوس وجميع الآباء رفقائه من دير القديس سرجيوس القريب من بطرسبرج عطفاً تجاه قاطنة الغابة .. وأُعلمت ماريا بعد ذلك بالتوجه إلى الجنوب .

اتفقت ماريا مع مطرونة ابنة شقيقتها – التى كانت تقضى معها فترات فى الغابة من حين إلى آخر – على الرحيل سوياً إلى الجنوب وقبلت مطرونة بفرح أن تتبع خالتها ماريا أينما ذهبت .


  *يتبع ***يتبع *** يتبع ***يتبع *** يتبع *** يتبع*
( عن سلسلة أنا هو لا تخافوا (8) ترجمة دير الشهيد العظيم أبى سيفين للراهبات لسنة 1999 )

مصابيح موقدة فى غابات روسيا ج11




لاقت ماريا متاعب كثيرة ليس فقط من أجناد الشر الروحية ، بل أيضاً من البشر الذين استخدمهم عدو الخير ضدها .. ولكن رغم كل ما صادفها ، كما سنرى فيما بعد ، فقد تحملت بصبر وجلد بمعونة الله كل التجارب التى تعرضت لها ..

لقد أُجبرت ذات يوم أمام إصرار المسئولين على ترك المغارة التى كانت تُقيم فيها والتى هُدمت من أساسها طالبين منها ضرورة إحضار وثيقة تُثبت إخلاء طرفها من قريتها وتصريحاً بتغيير مكان إقامتها .. أما حنّة فلم يتوصل المسئولون إلى مكانها ...

لم تترك ماريا المكان نهائياً ، بل تجولت داخل الغابة الكثيفة رافعة قلبها فى صلوات حارة إلى الله ساكبة دموعاًغزيرة حتى لا يحرمها الله من المأوى المحبب إليها ... وفجأة وقع نظرها على أثر أقدام على الأرض وسط أشجار الصنوبر الطويلة ، فتتبعتها .. فوجدت كوخاً خالياً ذا باب منخفض وبه موقد حجرى صغير ، وفى الحال اتجهت ماريا إلى القرية حيث تقابلت مع رجل مُحب لله يُدعى أندرو _ وهو أحد مساعدى آباء دير  القديس نيسيفوروس _ وأعلمته باكتشافها لهذا الكوخ واستفسرت عن أمره ، لرغبتها الإقامة فيه ..

وعندما استفسر اندرو عن هذا الكوخ ، علم أن أحد أبناء القرية قد لجأ إلى الغابة هرباً من استدعاء الجيش ، وبنى هذا الكوخ حيث كان يختفى فى الغابة فى النهار ويأوى ليلاً وأوقات الراحة فيه .. ولما سمع هذا الرجل من أندرو عن رغبة عابدة الرب ، ترك لها الكوخ وبنى لنفسه كوخاً آخراً ..

كان أندرو يتردد على زيارة الأب تريفون الذى كان يقطن على بُعد ميل من طاحونة على البحيرة ، فأخبره عن عابدة الرب ماريا وعن مكان إقامتها الجديد .. فأخبر الأب تريفون أباه الروحى جيراسيموس عن ماريا وعن مكان إقامتها الجديد .. فتذكر الشيخ وصية أبيه أشعياء بألا يترك الفتاتين عابدتىّ الرب فى الغابة دون الإهتمام بهما ...ففرح لمعرفته محل إقامتها .. فكان يذهب من حين إلى آخر للاطمئنان على أحوالها ..

وعندما حل وقت الخريف ، تركت ماريا الغابة واتجهت إلى قريتها للحصول على الوثيقة المطلوبة منها الخاصة بمحل إقامتها بُناء على طلب السلطات .. وفى هذه الأثناء ، دخل رجلان قاطعا أخشاب إلى المغارة ، فى ليلة كانت شديدة البرودة ، ومن شدة رجفتهما من الصقيع ، أشعلا الموقد ببعض فروع الخشب ثم تغطيا بغطاء من الصوف واستسلما للنوم ...

بعد مرور يومين ذهب أندرو إلى الغابة ليستعلم عن رجوع عابدة الرب من بلدتها ، فإذ به يُفاجأ بوجود جثتا رجلين على الأرض ...فأنتابته حالة من الخوف والرعب وأسرع نحو الطاحونة ليُخبر الأب تريفون بالأمر .. فقررا عدم أخذهما مسئولية هذا الحادث على عاتقهما أمام الله إذ يستلزم الأمر إبلاغ الأب جيراسيموس الذى حزن جداً عند سماعه لهذه الأخبار بسبب المحاكمة الغير متوقعة التى ستحل على قاطنى الغابة ..

ذهب الأب جيراسيموس وأعلم الأب متروفان رئيس الدير بهذا الخبر المُحزن ، فأبلغ الحكومة المحلية بالحادث وللحال قامت لجنة بالتنقيب والبحث للتعرف على شخصية الرجلين وجاء التقرير الطبى بعد تشريح الجثث أن الموت ناتج عن حدوث اختناق .. وأصدر المحقق أمراً بضرورة هدم هذا الكوخ وعدم التصريح بإعادة بنائه ..

وعندما رجعت ماريا ومعها الوثيقة المطلوبة وبعض المال لأى ضرورة أو طارئ ، فوجئت بعدم وجود مأوى لها ، فبكت بشدة وحزنت ولكنها ظلت صامدة بقوة الله ولم تتزعزع عزيمتها عن الاستمرار فى الحياة فى الغابات .

*يتبع ***يتبع *** يتبع ***يتبع *** يتبع *** يتبع*
( عن سلسلة أنا هو لا تخافوا (8) ترجمة دير الشهيد العظيم أبى سيفين للراهبات لسنة 1999 )

للأمانة

للأمانة فى حالة نقل أى معلومات من المدونة يرجى ذكر اسم المدونة وعنوانها :

ادخل ايميلك ليصلك كل جديد

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner